الشيخ الطبرسي

299

تفسير مجمع البيان

السماوات وما في الأرض ) وهذا اعتراض بين الآية الأولى ، وبين قوله ( ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ) واللام في ( ليجزي ) تتعلق بمعنى الآية الأولى ، لأنه إذا كان أعلم بهم ، جازى كلا منهم بما يستحقه ، وذلك لام العاقبة ، وذلك أن علمه بالفريقين أدى إلى جزائهم باستحقاقهم . وإنما يقدر على مجازاة المحسن والمسئ ، إذا كان كثير الملك ، ولذلك أخبر به في قوله ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي ) في الآخرة ( الذين أساؤوا ) أي أشركوا بما عملوا من الشرك . ( ويجزي الذين أحسنوا ) أي وحدوا ربهم ( بالحسنى ) أي الجنة . وقيل : إن اللام في ( ليجزي ) يتعلق بما في قوله ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ) لأن المعنى في ذلك : إنه خلقهم ليتعبدهم ( 1 ) ، فمنهم المحسن ، ومنهم المسئ . وإنما كلفهم ليجزي كلا منهم بعلمه ( 2 ) عمله . فتكون اللام للغرض . ثم وصف سبحانه الذين أحسنوا فقال : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم ) أي عظائم الذنوب ( والفواحش ) جمع فاحشة ، وهي أقبح الذنوب وأفحشها . وقد بينا اختلاف الناس في الكبائر في سورة النساء . وقد قيل : إن الكبيرة كل ذنب ختم بالنار ، والفاحشة كل ذنب فيه الحد . ومن قرأ ( كبير الإثم ) : فلأنه يضاف إلى واحد في اللفظ وإن كان يراد به الكثرة ( إلا اللمم ) اختلف في معناه فقيل : هو صغار الذنوب كالنظر ، والقبلة ، وما كان دون الزنا ، عن ابن مسعود ، وأبي هريرة ، والشعبي . وقيل : هو ما ألموا به في الجاهلية من الإثم ، فهو معفو عنه في الاسلام ، عن زيد بن ثابت . وعلى هذا فيكون الاستثناء منقطعا . وقيل : هو أن يلم بالذنب مرة ثم يتوب ولا يعود ، عن الحسن والسدي ، وهو اختيار الزجاج . لأنه قال : اللمم هو أن يكون الانسان قد ألم بالمعصية ، ولم يقم على ذلك . ويدل على ذلك قوله ( إن ربك واسع المغفرة ) قال ابن عباس : لمن فعل ذلك وتاب ، ومعناه : إن رحمته تسع ( 3 ) جميع الذنوب لا تضيق عنه ، وتم الكلام هنا . ، ثم قال : ( هو أعلم بكم ) يعني قبل أن خلقكم ( إذ أنشأكم من الأرض ) أي أنشأ أباكم آدم من أديم الأرض . وقال البلخي : يجوز أن يكون المراد به جميع الخلق أي : خلقكم من الأرض عند تناول الأغذية المخصوصة التي خلقها من

--> ( 1 ) وفي نسخة : ليستعبدهم . ( 3 ) وفي المخطوطة : واسعة تسع . ( 2 ) ليس في النسخ لفظة ( بعلمه ) .